محمد هادي معرفة
455
التفسير الأثري الجامع
وجملة القول : إنّ تحريم الخمر على أقوال المفسّرين والحفّاظ ، مختلفة وبعضها متّفقة ، هي أنّ اللّه أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكّة : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً « 1 » وهو المسكر ، وكان المسلمون يشربونها وهي لهم يومئذ حلال ، ونزلت في مسألة عمر ومعاذ : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّ ربّكم تقدّم في تحريم الخمر » « 2 » . فتركها قوم لقوله : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وقالوا : لا حاجة لنا في شيء فيه إثم كبير لقوله : وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ! وكانوا يتمتّعون بمنافعها ويجتنبون آثامها ، إلى أن صنع عبد الرحمان بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأمامهم الخمر فشربوا وسكروا ، وحضرت صلاة المغرب فقدّموا بعضهم ليصلّي بهم فقرأ : « قل يا أيّها الكافرون . أعبد ما تعبدون » إلى آخر السورة فحذف « لا » فأنزل اللّه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فحرّم المسكر في أوقات الصلاة فقال عمر : إنّ اللّه يقارب في النهي عن شرب الخمرة ، فلا أراه إلّا وسيحرّمها ، فلمّا نزلت ، تركها قوم وقالوا : لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة . وكان قوم يشربونها ويجلسون في بيوتهم ، وكانوا يتركونها أوقات الصلاة ، ويشربونها في غير حين الصلاة إلى أن شربها رجل من المسلمين فجعل ينوح على قتلى بدر ويقول : تحيّي بالسّلامة أمّ بكر * وهل لك بعد رهطك من سلام ؟ ذريني أصطبح بكرا فإنّي * رأيت الموت نقّب عن هشام وودّ بنو المغيرة لو فدوه * بألف من رجال أو سوام كأنّي بالطويّ طويّ بدر * من الشّيزي يكلّل بالسّنام كأنّي بالطويّ طويّ بدر * من الفتيان والحلل الكرام فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فخرج مسرعا يجرّ رداءه حتّى انتهى إليه ورفع شيئا كان بيده ليضربه ، فلمّا عاينه الرجل قال : أعوذ باللّه من غضب اللّه وغضب رسول اللّه ، واللّه لا أطعمها أبدا « 3 » .
--> ( 1 ) النحل 16 : 67 . ( 2 ) انظر : الطبري 2 : 494 / 3313 . ( 3 ) الثعلبي 2 : 141 - 142 .